الشوكاني
373
فتح القدير
ولم يحسن إسلامهم ، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتألفهم بالعطاء ، وقيل هم من أسلم من اليهود والنصارى ، وقيل : هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليتألفوا أتباعهم على الإسلام . وقد أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة ممن أسلم ظاهرا كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ، أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل تألفهم بذلك ، وأعطى آخرين دونهم . وقد اختلف العلماء هل سهم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم لا ؟ فقال عمر والحسن والشعبي : قد انقطع هذا الصنف بعزة الإسلام وظهوره ، وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي . وقد ادعى بعض الحنفية أن الصحابة أجمعت على ذلك . وقال جماعة من العلماء : سهمهم باق لأن الإمام ربما احتاج أن يتألف على الإسلام ، وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين . قال يونس : سألت الزهري عنهم فقال : لا أعلم نسخ ذلك وعلى القول الأول يرجع سهمهم لسائر الأصناف . قوله ( وفي الرقاب ) أي في فك الرقاب بأن يشترى رقابا ثم يعتقها . روى ذلك عن ابن عباس وابن عمر ، وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد . وقال الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد : إنهم المكاتبون يعانون من الصدقة على مال الكتابة ، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي ورواية عن مالك ، والأولى حمل ما في الآية على القولين جميعا لصدق الرقاب على شراء العبد وإعتاقه ، وعلى إعانة المكاتب على مال الكتابة . قوله ( والغارمين ) هم الذين ركبتهم الذنوب ولا وفاء عندهم بها ، ولا خلاف في ذلك إلا من لزمه دين في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب . وقد أعان النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقة من تحمل حمالة وأرشد إلى إعانته منها . قوله ( وفى سبيل الله ) هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء . وهذا قول أكثر العلماء . وقال ابن عمر : هم الحجاج والعمار ، وروى عن أحمد وإسحاق أنهما جعلا الحج من سبيل الله . وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا منقطعا به . قوله ( وابن السبيل ) هو المسافر ، والسبيل الطريق ، ونسب إليها المسافر لملازمته إياها ، والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره فإنه يعطى منها وإن كان غنيا في بلده ، وإن وجد من يسلفه . وقال مالك : إذا وجد من يسلفه فلا يعطى . قوله ( فريضة من الله ) مصدر مؤكد ، لأن قوله - إنما الصدقات للفقراء - معناه : فرض الله الصدقات لهم . والمعنى : أن كون الصدقات مقصورة على هذه الأصناف هو حكم لازم فرضه الله على عباده ونهاهم عن مجاوزته ( والله عليم ) بأحوال عباده ( حكيم ) في أفعاله ، وقيل إن " فريضة " منتصبة بفعل مقدر : أي فرض الله ذلك فريضة . قال في الكشاف : فإن قلت لم عدل عن اللام إلى " في " في الأربعة الآخرة ؟ قلت : للإيذان بأنها أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره ، وقيل النكتة في العدول أن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى ينصرفوا به كما شاءوا ، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم ، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة . كذا قيل . وقد أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : " بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التيمي فقال : اعدل يا رسول الله ، فقال : ويحك ، ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ فقال عمر بن الخطاب : ائذن لي فأضرب عنقه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من